السبت، 5 مارس 2016

التسميات:

متى يجوز التشبه بالكفار؟!



صياغة عنوان المقال قد تثير حفيظة البعض من جهة أنها جاءت بصيغة تساؤل، فكأنها تشير إلى بعض صور التشبه بأهل الكفر الجائزة، وهنا يأتي الاستنكار أن تصور وجوه الجواز يعارض ظاهر حديث (ومن تشبه بقوم فهو منهم)، وبيان ذلك عندي أن الحديث عام من جهة اللفظ، لكنه يحتاج إلى التوضيح من حيث فقهه والتطبيق، فإن التمسك بظاهر هذا الخطاب على عمومه دون النظر إلى دلالته، وحيثية تطبيقه في الواقع المعيش يخلق رداءة الفهم، وحصر التطبيق إلى حد الإهمال، والجمود على ظاهر النصوص يحملنا على التشدد وإعمالها في غير محلها وتضييق دلالاتها وتفسيراتها..وترك قضايا كثيرة دون حكم ولا دليل، لا سيما أن الشرع تعبدنا بالنص دلالة وفهما وفقها وتطبيقا، وكان القصد من هذا المقال بيان محترزات هذا الحديث وتنزيل فقهه على الواقع المعيش.
بداية يجب أن يتقرر لدينا أن مخالفة ملة أهل الكفر من الأمور البديهية في شريعة الإسلام، سواء في الأمور الدينية أو الأمور الدنيوية، وجاء نص خاص يقطع بأن طائفة من الأمة سوف تقع في محظور التشبه بالكفار، وهذا الخبر النبوي ليس الغرض منه الاستسلام لهذا القدر المحتوم، وإنما المراد منه التحذير عما وراء التشبه من الأثر السلبي على وحدة الأمة وجماعتها وهويتها، لكي يستلهم المسلم منه الطريق السوي، فيأخذ أهبته يقي بها نفسه عن هذا المتوقع. لهذا عني الفقهاء بالموضوع جيدا إلى حد يمكن الجزم بأنه من أصرح أصول الدين، ويرتبط بأساس الولاء والبراء، حيث يلزم المسلم أن يعلن الاستسلام المطلق لأمر الله، والتبرؤ من الشرك وأسبابه ودواعيه.

ويتضح لنا هذا المبدأ حين نقر أن أي ديانة أو مذهب فإنه لا بد أن يتصف بأصول ومعتقدات خاصة، يرتسم بها المتابعون، وتميزهم عن غيرهم، والإسلام جاء بشريعة تبين منهاج الحياة، خصت بها الأمة الإسلامية، وأُمرنا باتباعها، يقول الله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ) /الجاثية: 18/، ولو سمح للمسلم الموحد أن يشارك الكفار في مناسباتهم وأعرافهم والتقاليد الخاصة بدينهم لذابت هوية المسلم العقدية والدينية.
وتظهر مفسدة موافقة أهل الكفر في العقيدة والسلوك ونمط الحياة أنها تورث الشعور بالتقارب والتوادد والتعاطف مع الكفار، ويكون كما وصف ابن تيمية رحمه الله: إن المشاركة في الهدي الظاهر، تورث تناسبًا وتشاكلًا بين المتشابهين، يقود إلى موافقة ما في الأخلاق والأعمال، وهذا أمر محسوس، فإن اللابس لثياب أهل العلم- مثلًا- يجد في نفسه نوع انضمام إليهم، واللابس لثياب الجند المقاتلة- مثلًا- يجد في نفسه نوع تخلق بأخلاقهم، ويصير طبعه متقاضيًا لذلك”، وهنا يتساءل إذا كانت المشابهة في الأمور الدنيوية بهذا الأثر البالغ كما وصف ابن تيمية، كيف تكون المشابهة في الأمور الدينية والعقدية؟!
ويؤكد الأمر ذاته الأستاذ محمد أسد حين قال : إن السطحيين من الناس فقط الذين يعتقدون أنه من الممكن تقليد مدنية ما في مظاهرها الخارجية من غير أن يتأثروا في الوقت نفسه بروحها. إن المدنية ليست شكلاً أجوف فقط، ولكنها نشاط حي، وفي اللحظة التي نبدأ فيها بتقبل شكلها تأخذ مجاريها الأساسية ومؤثراتها الفعالة تعمل فينا، ثم تخلع على اتجاهنا العقلي كله شكلاً ولكن ببطء ومن غير أن نلحظ ذلك.

إن وجوب مخالفة سمات أهل الملل غير الإسلام كثرت نصوصه وتضافرت، ونقل إجماع العلماء عليه من وقت الصحابة رضوان الله عليهم إلى من بعدهم، وكان مما عاهد الصحابة الذميين التمييز عن المسلمين في الشعور واللباس والهيئة الظاهرة، ومنع إظهار أي شيء من خصائصهم، وكذا ما نقل من آثار العلماء على كراهة التشبه بغير المسلمين، وبلغت كثرة حتى يستعصي حصرها، وهذه الكثرة تفيد العلم الضروري باتفاق الأمة جميعها.
وإن دخول الثقافات غير الإسلامية إلى بلادنا، وتوجهنا إلى المدنية المعاصرة، وتأثر الشباب بالثقافات الوافدة، ولّد ظواهر التشبه المنهي عنه بالنص الشرعي المقرر، نرى على سبيل المثال يقوم بعض أفراد الأمة برعاية الكلاب واصطحابها في الشوارع بدعوى الرقي والتمدن، ونرى الأولاد يقلدون مشاهير فناني الغرب واللاعبين حتى في أدق تفاصيل حياتهم، مثل ارتداء بناطيل ضيقة الفم، وإحياء مناسبات عيد الحب، ورأس السنة، كذلك نرى بعض الشباب البالغين يضعون القُرط أو الحَلَق .. وأمثلة أخرى كثيرة ممابات حديث الساعة في المجتمع الإسلامي.
وحيال هذا الأمر الخطير اضطربت انطباعات الناس بين المتنورين دعاة الانفتاح والتحرر، الذين يرون نصوص الوحيين الواردة في منع التشبه وتفسيرات العلماء لها سدا منيعا لتقدم الأمة ورقيها، وبين الغلاة الذين يرون كل ما وفد إلينا من الغرب حرام، يسيرون دون شعور على وتيرة واحدة مع بوكو حرام!
وهذا الاضطراب والتذبذب في الحكم خلّف فكرة مشوهة لدي المسلم، لا يعرف ما يجوز من هذا التشبه مما له أهمية في حياتنا الاجتماعية، وما ليست له أهمية تذكر، وهنا أرتأيت ضرورة تبيين التشبه الذي جاء الشرع لمنعه، أذكر ما يدخل تحت التشبه المنهي عنه، وما يخرج عن ذلك.
ومن يتتبع صنيع الفقهاء يدرك أن التشبه المنهي عنه في الحديث “من تشبه بقوم فهو منهم” ليس على إطلاقه، ويظهر ذلك في أقوالهم أذكر نماذج من هذا بإيجاز.
جاء في فتح الباري وهو يعلق على حديث أنس رضي الله عنه: أنه رأى قوما عليهم الطيالسة فقال كأنهم يهود خيبر، قال ابن حجر: يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة فصار داخلا في عموم المباح.
وكذا ذكر في الفتح عن لباس البرنس – وجمعه برانس – وهو رداء ذو كمين يتصل به غطاء للرأس، كان من لباس الرهبان، ولذلك كرهه بعض السلف، ولكن سئل مالك عنه فقال: لا بأس به، قيل فإنه من لبوس النصارى قال كان يلبس ها هنا، وقال عبد الله بن أبي بكر ما كان أحد من القراء إلا له برنس.
وابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم فصل في مشابهة الكفار بين ما كان أصله مأخوذا عنهم، وما ليس في الأصل مأخوذا عنهم، ولكنهم يفعلونه كذلك، واختار في النوع الثاني أنه “ليس فيه محذور المشابهة، ولكن قد يفوت فيه منفعة المخالفة، فتتوقف كراهة ذلك وتحريمه على دليل شرعي وراء كونه من مشابهتهم” ثم يختار استحباب تركه لمصلحة المخالفة إذا لم يكن في تركه ضرر.
يظهر من هذه المواقف أن النهي عن التشبه بالكفار ليس على إطلاقه، وحكمه ليس على الكراهة أو الحرمة دائما، كما أنه ليس جائزا على إطلاقه كما يرى المتسيبون في الفتوى، وإنما له أحوال، كل حال يأخذ حكمه تبعا لتكييفه، بعضه محرم وهو الذي يدخل في محذور النهي، وبعضه الآخر جائز خصوصا إذا كان مما دعت إليه الحاجة، أو تشترك فيه الأمة مع غيرها من أمم الأرض، نبدأ بأحوال المنع ثم الجواز:

الحالة الأولى – أن يقع التشبه في قضية عقدية، أو في طقوس دينية، أو خاصية انتمائية لدي غير المسلمين، كتعليق الصليب لدي المسيحين، أو ارتداء لبسة حاخامات اليهود، أو استخدام إشارة خاصة بالتثليث، واشتهر الأخير كثيرا لدي اللاعبين حتى من المسلمين، وهذه الأمور وإن كسبت شهرة، وأصبحت علما فإنه يجب على المسلم البعد عنه، فهذا النوع من التشبه ممنوع.
الحالة الثانية – أن يقصد التشبه لذاته من أجل موافقة أعراف غير المسلمين من الكفار وأهل الكتاب وخصائصهم، ويكون الهدف التشبه ذاته سواء لاشتهار الأمر أو شهرة المشبه بهم من أهل الكفر، فإن هذا النوع من التقليد يحرم، ويقع صاحبه في المحظور الذي دل عليه النص الشرعي، ومثال ذلك المشاركة في الاحتفال بعيد رأس السنة، أو تقديم هدايا لغير المسلمين في مناسباتهم، كمن يهدي الشمع للنصارى في أعيادهم، أو يعمل وليمة يدعو إليها فإنه لا تجب دعوته، أما التشبه من أجل السخرية أو التعريف به وبحرمته فإن ذلك جائز لاختلاف النية.
الحالة الثالثة – أن يكون الأمر المتشبه به ظاهرة وتأكد أن تقليده يحقق منفعة للمسلمين، ولا يهدد شيئا من أصول الشرع، ولم يرد نص بتركه، وهنا يجوز التشبه، يدخل في هذه الحالة حفر النبي صلى الله عليه وسلم الخندق وكان مما لا تعرفه العرب، ومصلحته كانت راجحة. وعليه أجاز ابن المواق المالكي لبس الرندين – وهو ثوب روماني -، وقال: اضمحل التشبه فيه بالعجم في جنب منفعته، إذ هو ثوب مقتصد ينتفع به ويقي من البرد، ونص من أثق به من الأئمة أنه: ليس كل ما فعلته الأعاجم نهينا عن ملابسته، إلا إذا نهت عنه الشريعة، ودلت القواعد على تركه.
الحالة الرابعة – أن يكون الأمر المتشبه به يشترك فيه المسلمون وغيره، ولا توجد أي قرينة تدل على أنه من خصائص الكفار، كما لا يوجد ما يعارضه في شرعنا، وأمثلة هذه كثيرة في عصرنا مما يصنف في هذا النوع، من أمور الإدارات، وتنظيم اللجان، وتطوير الكفاءات بوسائلها المادية المختلفة، وحفلة تخريج الطلبة والمتدربين، وسياسة الدولة والأقاليم، وإبرام الاتفاقات الدولية منها والمحلية، وهذا من حيث العموم لا يمكن أن يصنف في التشبه المنهي عنه في الشرع.

وللإجابة على التساؤل الوارد في عنوان المقال، نستخلص من الأحوال المذكورة ضوابط عامة لمعرفة التشبه الممنوع:
– أن يتشبه المسلم بالكفار في بلاد المسلمين بدون سبب شرعي – ولا يأثم بالتشبه إذا كان في بلاد الكفر، يقول ابن تيمية: لو أن المسلم بدار حرب، أو دار كفر غير حرب؛ لم يكن مأمورا بالمخالفة لهم في الهدي الظاهر، لما عليه في ذلك من الضرر  بل قد يستحب للرجل أو يجب عليه، أن يشاركهم أحيانا في هديهم الظاهر، إذا كان في ذلك مصلحة دينية: من دعوتهم إلى الدين..
– أن يكون التشبه بأهل الكفر مقصودا لذاته، لغير حاجة داعية إليه – فإذا وضع المسلم قلنسوة المجوسي لدفع الحر أو البرد فإنه لا يأثم.
– أن يكون التشبه فيما يختص به أهل الكفر – مثل إشارة التثليث لدي المسيحي، وطرطور اليهودي – الطرطور: قلنسوة طويلة دقيقة الرأس.
– أن يبقى اللباس المتشبه به شعارا لأهل الكفر – فإن اشتهر اللباس بعد في أوطان المسلمين خرج من المشابهة المذمومة. وعليه يحمل تعليق ابن حجر على حديث أنس رضي الله عنه حين رأى قوما عليهم الطيالسة فقال: كأنهم يهود خيبر ، فقال: إنما يصلح الاستدلال بقصة اليهود في الوقت الذي تكون الطيالسة من شعارهم، وقد ارتفع ذلك في هذه الأزمنة فصار داخلا في عموم المباح.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

جميع الحقوق محفوظة 2016 اسلامنا حياتنا.