‏إظهار الرسائل ذات التسميات سير الصحابة الكرام. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات سير الصحابة الكرام. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 18 فبراير 2016

تدين الصحابة رضوان الله عليهم ..


كان الصحابة الكرام رضوان الله عليهم على درجات متفاوتة من العلم والفقه والفهم للكتاب والسنة والاجتهاد في الأحكام الشرعية ، كما كانوا رتبا – أحيانا متباعدة – في التدين والممارسة العملية للإسلام والشعائر التعبدية ، فمنهم الآخذ بالعزائم ومنهم المائل للرخص ، ومن بينهم المتمسك بظاهر النص ومنهم الذاهب إلى روحه وفحواه .
فعلى سبيل المثال لا الحصر : كان الصحابي الجليل الفقيه العابد عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما –  يَمِيلُ إلَى التّشْدِيدِ فِي الكثير من المسائل التي لا يوافقه فيها الصحابة رضوان الله عليهم ، منها : أنهَ كَانَ يَغْسِلُ دَاخِلَ عَيْنَيْهِ فِي الْوُضُوءِ ، و إذَا مَسَحَ رَأْسَهُ أَفْرَدَ أُذُنَيْهِ بِمَاءِ جَدِيدٍ ، ويَمْنَعُ مِنْ دُخُولِ الْحَمّامِ وَ إذَا دَخَلَهُ اغْتَسَلَ مِنْهُ . وَكَانَ رضي الله عنه يَتَيَمّمُ بِضَرْبَتَيْنِ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةً لِلْيَدَيْنِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى ضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا عَلَى الْكَفّيْن . وَ كَانَ إذَا قَبّلَ أَوْلَادَهُ تَمَضْمَضَ ثُمّ صَلّى ، ويزاحم على الحجر الأسود ليقبله حتى تدمى قدماه ، حرصا منه على السنة واتباع النبي الكريم عليه الصلاة والسلام .

في المقابل كان الحبر العلاّمة عبد الله بْنُ عَبّاسٍ – رضي الله عنهما يميل للترخص ويفتي بذلك مخالفا ابن عمر في المسائل التي تشدد بها ، فكان :  يَدْخُلُ الْحَمّامَ ، َو يَقُولُ التّيَمّمُ ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفّيْنِ ، ويقرب الأطفال ويسميهم رياحين فلا يبالي بتقبيلهم ولا يرى به أي تأثير على الوضوء ، و كان يترك تقبيل الحجر الأسود حتى لا يؤذي ولا يؤذى.
والمؤكد أننا لم نسمع ولم نقرأ عن أحد منهما ذما لأخيه أو انتقاداً له و تجريما لموقفه  ، فلم يرو أن ابن عمر – رضي الله عنهما – انتقص من شأن ابن عباس – رضي الله عنهما – واتهمه بالتقصير والتفريط  والتهاون لترخصه ، كما أن ابن عباس لم يتهم ابن عمر بالغلو والتنطع والتصلب وغيرها من الأوصاف والألقاب .
و لم نسمع أن أحدهم طعن في نوايا الآخر وفي إخلاصه وصدق حبه للدين وتفانيه له كما نرى ونشاهد في أيامنا ، فالأمر خارج عن هذا كله ، قد وسع دين الله الجميع واستوعب كل الاجتهادات التي صدرت عنهم وفق ما ينسجم مع الضوابط والأصول العامة .
كما إنه لم يتناه إلى أسماعنا أن صحابة الرسول – صلى الله عليه وسلم – تحزبوا لأحد الصحابيين دون الآخر ، أو تعصبوا لفتوى ورأي واجتهاد دون مثيله ، أو تفرقوا شيعا بسبب ذلك ، بل كانوا أخوة متحابين يعذر بعضا بعضا ، ويقدر أحدهم الآخر .
و ليس بالضرورة أن يكون التشدد أو الآخذ بالعزائم – عموما – هو الأتقى والأنقى والأورع دوما كما يظن الكثيرون ، وأن يكون صاحبه ذا شأنا في الدين فيمتدح . في المقابل ليس الترخص تقصيرا وتفريطا في جنب الله ، فيُلام صاحبه أو يعاتب ويلام ! فالأمر أوسع من ذلك .
و الذي يجب التنويه له أن مثل هذا الاجتهاد وذاك التدين لا يخضعان لنظرية وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، بمعنى : ليس الترخص منكرا حتى يجبر أو يلزم صاحبه على اتباع نقيضه  ، وليس الأخذ بالعزيمة هو المعروف الأوحد الذي لا ثاني له ولا نظير ، وبالتالي يحكم على مخالفه بالإنكار!

لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يفقهون هذا تمام الفقه ، ويعلمون أنه دائر في حيز المقبول من الاختلاف والاجتهاد وبالتالي التدين ، وأنه متى خرج عن هذه الدائرة فسيتصدرون للمخالف بالنصيحة والإنكار والتوجيه ، كما حدث في قصة أبي الدرداء مع سلمان :
حين آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء. فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة. فقال لها ما شأنك؟ قالت أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء، فصنع له طعاماً، فقال: كل. قال فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل. فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم. قال: نم. فنام، ثم ذهب يقوم. قال: نم، فلما كان من آخر الليل.قال سلمان: قم الآن. فصليا. فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه. فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صدق سلمان)). البخاري

موقف الصحابة وأبنائهم من ثورة الحسين رضي الله عنهم


يتفق  الباحثون على أن أحداث التاريخ  متباينة في تداعياتها، فهناك أحداث تداعياتها لا تتعدى لحظتها، و هناك أخرى لها تداعيات صغيرة المدى و متوسطة، وأخرى طويلة المدى تخترق الزمن، و تكون تداعياتها دائمة تثير نقاشات مفتوحة على الزمن و اختلافات يؤدي بعضها إلى إراقة الدماء وإلى انقسامات كبرى في المجتمعات البشرية.
و لعل حادث استشهاد سيدنا الحسين رضي الله عنه،  الذي يصادف العاشر محرم، من هذا النوع، فهو حدث وقع في سنة 62هـ، واستمرت تداعياتها إلى الآن . فقد أدى إلى انقسام سياسي في جسد الأمة الواحدة  بين أهل السنة و الجماعة وبين  الشيعة، وصل إلى انقسام عقدي عند  الغلاة من الشيعة  الذين لا يتورعون عن تكفير كل المسلمين الذين لا يوافقونهم في الرأي.

فهذا الحدث تحول عند الشيعة إلى مناسبة لمهاجمة أهل السنة و الجماعة و اتهامهم أنهم يوالون يزيد ويعادون الحسين أو نواصب أي يناصبون أهل البيت العداء ، والمتن التاريخي والكلامي الشيعي يزكي ذلك من خلال استغلال هذه الحادثة  لانتقاد بعض الصحابة و أبنائهم الذين عايشوا الحادثة و اتهامهم بأنهم نصروا يزيدا على الحسين و ناصبوه العداء  و في أضعف انتقاد اتهامهم بتقاعسهم عن نصرته.

لكن القارئ للمتن التاريخي في المصادر التاريخية المعتبرة من طرف الجميع  يلحظ أن هذه الانتقادات متهافتة لا تستند على روايات ذات مصداقية، و القراءة الموضوعية لهذه المصادر تجد  أن مواقف الصحابة كانت متباينة حسب اجتهاد كل واحد منهم ، و يمكن إجمالها في ثلاثة مواقف أساسية:


الموقف الأول : الرفض المبدئي من الخروج

وذلك أنهم رفضوا خروج الحسين أو غيره على يزيد بن معاوية بن أبي سفيان وطلبوا منه عدم المغامرة بنفسه والتزام السكون حتى تتجلى الأمور على حقيقتها واستجلاء هوى الناس ومواقفهم الحقيقية من يزيد  ومن ثم عدم إراقة الدماء المسلمين . ويمثله  عبد الله بن عمر حيث توضح   المصادر أن  عبد الله بن عمر عندما علم بخروج الحسين من مكة في اتجاه العراق لحقه وقال له”  أين تريد قال: العراق ، وقد كان معه طوامير وكتب ، فقال لا تأتهم،قال هذه كتبهم وبيعتهم،فقال: إن الله خير نبيه بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنكم بضعة  منه لا  يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم ، فارجعوا، فأبى فاعتنقه ابن عمر وقال: استودعك الله من قتيل” .

إذاً ابن عمر اقتنع أن مقام أهل بيت النبي أشرف، لأنه مقام  احترام و تبجيل و قدوة واتفاق بين أفراد الأمة، أما مقام السلطان فهو مقام  تنافس وبغضاء وصراع دائم، وأن الأمرين لا يجتمعان في أحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم،  وأن أي محاولة للجمع بينهما لن تكون نتيجتها إلا سلبية، ليس عليه فقط و إنما تطال الأمة ككل. فمكانتهم  الاجتماعية باعتبارهم بيت النبوة تجعلهم في مقام القدوة  ذات التأثير في المجتمع أكثر من السلطان، وهو نفس موقف جابر وأبي سعيد الخدري…

الموقف الثاني : عدم الثقة في أهل العراق

رفض بعض الصحابة خروج الحسين إلى العراق بسبب تأكدهم بأنها ليست محل ثقة، وليست الشوكة المطلوب الاعتماد عليها  لمواجهة الواقع السياسي الجديد الذي فرضه يزيد بن معاوية ذو الشوكة الصلبة. فمن التجارب السابقة ثبت  أن أهل العراق أهل غدر وعدم وفاء ونكث للعهود في اللحظات الحاسمة وعصبية هشة .

تذكر المصادر أن عبد الله بن عباس  جاء إلى الحسين فقال له:”  يا ابن عم قد بلغني أنك تريد العراق وإنهم أهل غدر وإنما يدعونك للحرب فلا تعجل”، كما جاءه أبوسعيد الخدري فقال: “يا أبا عبد الله إني لك ناصح و مشفق، وقد بلغني أنه كاتبك قوم من شيعتك فلا تخرج إليهم فإني سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم و ملوني وأبغضتهم وأبغضوني وما بلوت منهم وفاء ، ولا لهم ثبات ولا عزم ولا صبر على السيف”  .


وكذلك أبو بكر بن هشام قال : ” كان أبوك أقدم سابقة وأحسن في الإسلام أثرا .. فسار إلى معاوية والناس مجتمعون عليه، إلا أهل الشام، وهو أعز منه فخذلوه  وتثاقلوا عنه حرصا على الدنيا وظنا بها،  فجرعوه الغيظ وخالفوه حتى صار ما صار، ثم صنعوا بأخيك  بعد أبيك ما صنعوا وقد شهدت ذلك كله ورأيته، ثم أنت تريد أن تسير إلى الذين عدوا على أبيك وأخيك تقاتل بهم أهل الشام، وأهل العراق من هو أعد منك وأقوى والناس منه أخوف وله أرجف، فلو بلغهم مسيرك إليهم لإستطغوا الناس  بالأموال وهم عبيد الدنيا فيقاتلك من وعدك أن ينصرك”..

وقد كان هناك شبه إجماع ممن نصحوا الحسين على هذا الموقف معتمدين في ذلك على  تجربة سيدنا علي بن أبي طالب والحسن بن علي، فثبت لديهم أنها عصبية هشة وخادعة تأخذ من اعتمد عليها إلى الهلاك.

الموقف الثالث : المؤيد للخروج والرافض للوجهة

بعض الصحابة أيدوا بشكل واضح الخروج على يزيد بن معاوية ، باعتباره حاكما غير شرعي، يجب عزله  والعمل على إعادة النظام السياسي إلى شرعيته القائمة على الشورى و الانتخاب و ليس على ولاية العهد. بيد أنهم رفضوا رفضا باتا أن يكون العراق هي نقطة الانطلاق، وأكدوا على ضرورة إعلان الثورة من مناطق ذات شوكة حقيقية غير متوهمة ووفاء بالعهود و الوعود.

فتذكر المصادر أن عبد الله بن الزبير عندما بلغه  خروج الحسين التقى به واقترح عليه تغيير منطقة إعلان الثورة فقال له: “لو أقمت بمكانك فدعوتنا وأهل الحجاز إلى بيعتك  أجبناك وكنا إليك سراعا وكنت أحق بذلك من يزيد  و أبي يزيد”، و نفس الرأي تبناه عبد الله بن مطيع إذ نصح الحسين قائلا : “إذا أتيت مكة فإياك أن تقرب الكوفة، فإنها بلدة مشؤومة، بها قتل أبوك وخذل أخوك واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه، الزم الحرم  فانك سيد العرب لا يعدل بك أهل الحجاز أحدا، ويتداعى إليك الناس من كل جانب، لا تفارق الحرم فداك عمي وخالي، فو الله لإن هلكت لنسترقن بعدك.”

والرأي نفسه تبناه ابن عباس الذي أضاف اقتراحا آخر لإعلان الثورة وهو اليمن قائلا :”فسر إلى اليمن فان بها حصونا وشعابا  وهي أرض عريضة طويلة ولأبيك فيها شيعة”، وهو نفس موقف أخيه محمد الحنفية.
فأصحاب هذا الرأي كانوا على قناعة أن الثورة يجب أن تعتمد على عصبية قوية  لها قدرة مادية و خاصة معنوية، لمواجهة الواقع الجديد المفروض بالقوة ، وهذا ما كان متحققا في الحجاز و اليمن و ليس العراق.

الخلاصة

نستنتج مما سبق أن الصحابة و أبناءهم  لم يتخذوا موقفا سلبيا من ثورة الحسين أو شككوا في أهليته أو أفضليته، أو أنهم ركنوا لظلم يزيد وأقروا به، وإنما اختلفوا في تقدير الأمور و التدابير التي يجب اتخادها، فهم كانوا متفقين على رفض الواقع السياسي الجديد، وأن الحسين أفضل من جميع النواحي من يزيد، غير أن البعض منهم فضل التريث و الانتظار حتى التأكد من نوايا الناس و عدم إلقاء النفس للتهلكة في ظل اختلال ميزان القوة بشكل جلي وبالتالي تأجيل فترة الخروج .


كما اعترض البعض على الشوكة التي ستتولى الأمر وتحمل لواء الثورة،  فأغلبهم أدرك أن عصبية أهل العراق مغشوشة لا يعول عليها كما دلت على ذلك التجربة التاريخية لسيدنا علي بن أبي طالب، لذلك نصحوا الحسين بضرورة البحث عن عصبية أخرى تكون قادرة على تحمل مسؤوليتها التاريخية في تغيير مسار التاريخ الاسلامي، وتجلت أنذاك في الحجاز خاصة مكة و المدينة أو اليمن. لكن  الحسين  رفض كل تلك  الاقتراحات و اقتنع أنه ملزم أخلاقيا أن يستجيب لدعوة أهل العراق ولو كان فيها هلاكه و هذا ما كان للأسف.

و عليه نؤكد أن الصحابة لم يكن موقفهم سلبيا من حركة الحسين و إنما كلهم أقروا له بالأحقية المبدئية لكنهم اختلفوا معه في التدبير العملي للثورة و هو مناط اجتهاد تختلف فيه الرؤى و المواقف.
وهذا ما يفرض على  المفكرين الشيعة العقلاء القيام بمراجعات لمتنهم التاريخي في هذه القضية، وتصفيته من المغالطات الفاحشة الموجودة فيه، كخطوة ضرورية للحد من سوء الفهم مع باقي المسلمين، وسحب البساط من الغلاة الذين يستغلون تلك الروايات من أجل إشعال الفتنة و الوغل في دماء المسلمين كما يحدث في العراق وسوريا .

الجمعة، 12 فبراير 2016

عقبة بن نافع.. فاتح إفريقية ... بقلم: د. عماد عجوة

 

هذه سيرة واحد من القادة العرب والفاتحين لبلاد الله مهَّد الله به الطريق لنشر دعوته، وكان نعمة من النعم التي منَّ الله بها على المسلمين، وأيَّد بها جانب الدين، فحقق الله على يديه نشر الإسلام في الشمال الإفريقي، وأعاد بجهاده في إفريقية أمجاد اليرموك والقادسية، ويعتبر آخر مَن ولي المغرب من الصحابة، هو عقبة بن نافع بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن الضرب بن الحارث بن فهر

 

عقبة بن نافع مولده ونشأته


ولد عقبة بن نافع قبيل عام واحد من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم؛ لذلك فقد ولد عقبة ونشأ في بيئة إسلامية خالصة، وهو صحابي بالمولد؛ حيث إنه عاش في صباه ردحًا من الزمن يحضر مجالس الرسول صلى الله عليه وسلم، وله صلة قرابة للصحابي الجليل عمرو بن العاص من ناحية الأم، وقيل إنهما ابني خالة.

 

صفاته وشيء من عبادته


كان عقبة بن نافع مثالاً في العبادة والأخلاق والورع والشجاعة والحزم والعقلية العسكرية الإستراتيجية الفذة، والقدرة الفائقة على القيادة بورع وإيمان وتقوى وتوكل تام أحبه رجاله وأحبه أمراء المؤمنين، وكان مستجاب الدعوة، ميمون النقيبة، مظفر الراية، فلم يهزم في معركة قط، طبق في حروبه أحدث الأساليب العسكرية في تكتيكات القتال.

 

القيادة والجندية في شخصية عقبة


إلى جند الله المسلمين الصادقين، الداعين إلى الله على بصيرة والمجاهدين لنصرة شريعته وإعلاء كلمته أدعوهم لمعرفة القيادة والجندية من موقف أبو المهاجر بن دينار وعقبة بن نافع لمعرفة القيادة والجندية كيف تسمو على المطامع الشخصية، فعندما جاء الأمر من خليفة المسلمين معاوية بن أبي سفيان بعزل عقبة بن نافع عن ولاية إفريقية، وتولية رجل من جنوده اسمه أبو المهاجر دينار، هل تمرّد؟ هل امتنع أو حتى تذمر؟ كلا والله، امتثل عقبة فورًا للأمر وانتظم في سلك الجندية.ولم يمض كثيرًا من الوقت حتى عاد عقبة بن نافع إلى قيادة الجهاد ببلاد المغرب، بعد وفاة الخليفة معاوية، فعينه الخليفة يزيد بن معاوية على إفريقية، وانتقل أبو المهاجر في صفوف الجنود مجاهدًا مخلصًا، وقرر عقبة بن نافع استئناف مسيرة الفتح الإسلامي من حيث انتهى أبو المهاجر، وهكذا نرى خير الأمة ينتقل الواحد منهم من الرئاسة إلى عامة الجند بمنتهى اليسر والسهولة، بلا مشاكل أو اعتراض، وبلا أحقاد وأضغان، وذلك لأن الكل يبتغي مرضات الله ولا يريد شيئًا من عرض الدنيا الزائل، إنهم رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فلا المناصب تبهرهم ولا الدنيا تفتنهم ولا الأحقاد تعرف إلى قلوبهم طريقًا، إنهم خالصون مخلصون لا يريدون إلا وجه الله، وبهذه النفوس الصادقة والقلوب المؤمنة والعزائم الفائقة انتشر الإسلام في ربوع الأرض.

 

عقبة بن نافع خطيبًا


كان عقبة بن نافع خطيبًا بارعًا عباراته فائقة تلخص رسالة المجاهد في سبيل الله، فخطب في جيشه أثناء تحركه لفتح طنجة قائلاً: "أيها الناس إن أشرفكم وخياركم الذين رضي الله تعالى عنهم وأنزل فيهم كتابه، بايعوا رسول الله بيعة الرضوان على قتال من كفر بالله إلى يوم القيامة، وهم أشرفكم والسابقون منكم إلى البيعة، باعوا أنفسهم من رب العالمين بجنته بيعة رابحة، وأنتم اليوم في دار غربة وإنما بايعتم رب العالمين، وقد نظر إليكم في مكانكم هذا، ولم تبلغوا هذه البلاد إلا طلبًا لرضاه وإعزازًا لدينه، فأبشروا فكلما كثر العدو كان أخزى لهم وأذل إن شاء الله تعالى، وربكم لا يسلمكم فالقوهم بقلوب صادقة، فإن الله قد جعل بأسه على القوم المجرمين"، وبهذه الكلمات الموجزة استثار عقبة حمية رجاله، وأعطى درسًا بليغًا للأجيال من بعده عن حقيقة دعوة المجاهد.عندما وصل بخيله إلى المحيط الأطلنطي اخترق عقبة بفرسه ماء المحيط, ثم قال بقلب المؤمن الصادق الغيور: "يا رب لولا هذا البحر لمضيت في البلاد مجاهدًا في سبيلك، اللهم اشهد أني قد بلغت المجهود، ولولا هذا البحر لمضيت في البلاد أقاتل من كفر بك حتى لا يعبد أحد دونك".

 

بروزه مبكرًا على ساحة الجهاد


برز اسم عقبة بن نافع مبكرًا على ساحة أحداث حركة الفتح الإسلامي، فبلغ بجهاده ما بلغ خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وعمرو بن العاص، فشارك في فتح مصر سنة 21هـ، أي في وقت كان عمر عقبة نيف عن العشرين سنة أو يفوقها بقليل، حيث اشترك هو وأبوه نافع في الجيش الذي توجه لفتح مصر بقيادة عمرو بن العاص.ولقد توسم فيه عمرو أنه سيكون له شأن كبير ودور في حركة الفتح الإسلامي على الجبهة الغربية، لذلك أسند إليه مهمة صعبة وهي قيادة دورية استطلاعية لدراسة إمكانية فتح الشمال الإفريقي، ثم جعله عمرو بن العاص واليًا على إقليم برقة على الرغم من وجود العديد من القادة الأكفاء والصحابة الكبار، مما يدل على نجابة هذا البطل الشاب.كما أرسل عمرو بن العاص والى مصر البطل الشاب عقبة بن نافع إلى بلاد النوبة لفتحها، فلاقى هناك مقاومة شرسة من النوبيين، ولكنه مهد السبيل أمام من جاء بعده لفتح البلاد، ثم أسند إليه عمرو مهمة في غاية الخطورة، وهي تأمين الحدود الغربية والجنوبية لمصر ضد هجمات الروم وحلفائهم البربر.وفي أثناء الفتنة التي وقعت بين سيدنا علي أبن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان نأى عقبة بن نافع بنفسه عن أحداثها، وجعل شغله الشاغل الجهاد في سبيل الله ونشر الإسلام بين قبائل البربر ورد هجمات الروم، فلما استقرت الأمور وأصبح معاوية خليفة للمسلمين، أصبح معاوية بن حديج واليًا على مصر، وكان أول قرار أخذه هو إرسال عقبة بن نافع إلى الشمال الإفريقي لبداية حملة جهادية قوية وجديدة لمواصلة الفتح الإسلامي، واستطاع عقبة وجنوده أن يطهروا منطقة الشمال الإفريقي من الحاميات الرومية المختلفة ومن جيوب المقاومة البربرية المتناثرة.

 

أنشاء مدينة القيروان مسجدها الجامع


أنشأ القائد المسلم عقبة بن نافع مدينة القيروان عام 50هـ/ 670م، وكان هدفه من هذا البناء أن يستقر بها المسلمون، إذ كان يخشى إن رجع المسلمون عن أهل إفريقية أن يعودوا إلى دينهم، وقد اختير موقعها على أساس حاجات إستراتيجية واضحة، فقد ذكر عقبة: "... إن أهل هذه البلاد قوم لا خلاق لهم إذا عضهم السيف أسلموا، وإذا رجع المسلمون عنهم عادوا إلى عاداتهم ودينهم ولست أرى نزول المسلمين بين أظهرهم رأيًّا وقد رأيت أن أبني ها هنا مدينة يسكنها المسلمون فاستصوبوا رأيه..."، وقد اختار لها موضعًا بعيدًا عن البصر في وسط البلاد ولئلا تمر عليها مراكب الروم فتهلكها.وقد لعبت مدينة القيروان دورًا رئيسيًّا في القرون الإسلامية الأولى، فكانت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي، ومركز الثقل فيه منذ ابتداء الفتح، كما كانت القيروان سدًّا منيعًا يحول دون تسرب الخطر الشيعي.واعتبر المؤرخون أن إنشاء مدينة القيروان يمثل بداية تاريخ الحضارة العربية الإسلامية في المغرب العربي، فلقد كانت المدينة تلعب دورين هامين في آن واحد هما الجهاد والدعوة، فبينما كانت الجيوش تخرج منها للغزو والفتح، كان الفقهاء يخرجون منها لينتشروا بين البلاد يعلمون العربية وينشرون الإسلام، وقد كان لهذه المدينة منزلة دينية عظيمة في نفوس المسلمين وكانوا يعتبرونها مدينة مقدسة ولا يدخلها غير المسلمين، وقد دعا عقبة بن نافع الله سبحانه وتعالى لمدينته: "... اللهم أملأها علمًا وفقهًا، وأعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزًّا لدينك وذلاً لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام".وكان لمسجد عقبة الجامع بالمدينة دور كبير في نشر وتعليم الدين وعلومه بحكم ما علق عليها من آمال في هداية الناس وجلبهم إلى إفريقية، وكانت مدرسة القيروان الفقهية محط أنظار الدارسين من صقلية والمغرب والأندلس فلا يكاد قطر من تلك الأقطار يخلو من مئات الوافدين منه على القيروان لتلقي العلوم والتفقه في الدين.

 

قالوا عنه


قال المستشرق "سيديو" في كتابه "تاريخ العرب العام": "ونصب والٍ جديد على البلاد المفتوحة ولم يكترث هذا الوالي لإدارتها اكتراثه لرفع راية المسلمين فوق المدن الرومية ولدى المغاربة إلى أبعد مدى، وذلك الوالي هو عقبة بن نافع الجامع لجميع الصفات المرغوب فيها من الشجاعة عند كل بلية ومن إنكار للذات ومن كرم وعظمة نفس وإيمان لا يتزعزع".

 

وفاته


استشهد عقبة بن نافع سنة 63هـ، قتله كسيلة بن لمزم الأودي وهو نصراني تظاهر بالإسلام، ودفن في مكان يعرف حتى الآن باسم سيدي عقبة بالجزائر، وترك باستشهاده أثرًا كبيرًا في نفوس البربر، وأصبح من يومها يلقّب بـ"سيدي عقبة".

الأربعاء، 10 فبراير 2016

الأشعث بن قيس رضي الله عنه



 
هو ابن معدي كرب.
وكان اسم الأشعث: معدي كرب. وكان أبداً أشعث الرأس ، فغلب عليه.
 وأصيبت عينه يوم اليرموك. وكان أكبر أمراء علي يوم صفين.
عن أبي وائل، قال لنا الأشعث: فيّ نزلت: (إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً) (آل عمران 77).
خاصمت رجلاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألك بينة ؟ قلت: لا. قال:
فيحلف. فقال: (من حلف على يمين فاجرة ليقتطع بها مالاً ، لقي الله وهو عليه غضبان.
قال ابن الكلبي : وفد الأشعث في سبعين من كندة على النبي صلى الله عليه وسلم.
وعن إبراهيم النخعي، قال: ارتد الأشعث في ناس من كندة، فحوصر، وأخذ بالأمان، فأخذ الأمان لسبعين، ولم يأخذ لنفسه، فأتى به الصديق، فقال: إنا قاتلوك، لا أمان لك، فقال :
 تمن علي وأسلم ؟
 قال : ففعل. وزوجه أخته.
 عن قيس: قال : لما قدم بالأشعث بن قيس أسيراً على أبي بكر. أطلق وثاقه، وزوجه أخته، فاخترط سيفه، ودخل سوق الإبل، فجعل لا يرى ناقة ولا جمالاً إلا عرقبه. وصاح الناس:
كفر الأشعث ! ثم طرح سيفه، وقال: والله ما كفرت، ولكن هذا الرجل زوجني أخته، ولو كنا في بلادنا لكانت لنا وليمة غير هذه، يا أهل المدينة، انحروا وكلوا ! ويا أهل الإبل، تعالوا خذوا شرواها (أي مثلها).
عن حيان أبي سعيد التيمي، قال: حذر الأشعث من الفت، فقيل له: خرجت مع علي !
فقال: ومن لك إمام مثل علي.
 توفي سنة أربعين.
 قلت [ أي الذهبي ]: وكان ابنه محمد بن الأشعث بعده من كبار الأمراء وأشرافهم، وهو والد الأمير عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الذي خرج معه الناس ، وعمل مع الحجاج تلك الحروب المشهورة التي لم يسمع بمثلها. ثم في الآخر خذل ابن الأشعث وانهزم، ثم ظفروا به وهلك.

المصدر: نزهة الفضلاء تهذيب سير أعلام النبلاء 1/102

خالد بن الوليد رضي الله عنه



هو بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم أبو سليمان
كان واحدا ممن انتهى إليهم الشرف في الجاهلية
كان في وقائع بدر والخندق وأحد قائدا لخيل المشركين ولم يشهد مع رسول اللّه إلا ما بعد الفتح من الوقائع.
كان خالد في قومه موصوفا بالشجاعة محببا فيهم مقدما عندهم موفقا للنصر عارفا بأصول الحرب. وكان من طباعه الشدة والتسرع، وكان في عهد أبي بكر قائدا على الجنود، و لشدة تسرعه ألح عمر على أمير المؤمنين بعزله فلم يوافقه على ذلك.
يرجح ان خالدا اسلم سنة سبع من الهجرة . ولما أسلم أرسله رسول اللّه مع جيش من المسلمين أميره زيد بن حارثة إلى مشارف الشام من أرض البلقاء(شمال الاردن حاليا) لغزو الروم فحدثت هنالك وقعة مؤتة العظيمة التي استشهد فيها زيد ثم أخذ الراية منه جعفر بن أبي طالب فاستشهد أيضا ثم أخذها عبد اللّه بن رواحة فاستشهد أيضا.
اتفق المسلمون على دفع الراية إلى خالد بن الوليد فأخذها وقاد الجيش قيادة ماهرة وقاتل بنفسه قتالا عنيفا حتى تكسر في يده سبعة أسياف وما زال يدافع عدوه حتى أجبره على الابتعاد عنه ثم انسحب بسلام إلى المدينة. فسماه رسول اللّه سيفا من سيوف اللّه.
وذلك أنه لما قتل الأمراء الثلاثة وأخذ خالد الراية أوحي إلى النبي بذلك فصعد المنبر وأعلم المسلمين بقتل زيد وجعفر وابن رواحة وقال ثم أخذ الراية سيف من سيوف اللّه خالد بن الوليد وفتح اللّه عليه.
وكان النبي يولي خالدا أعنة الخيل فشهد مع رسول اللّه فتح مكة.
بعثه رسول اللّه إلى بني خذيمة داعيا لا مقاتلا فذهب فقاتلهم وقتل منهم فلما بلغ الرسول ذلك رفع يديه إلى السماء ثم قال (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد) ثم أرسل عليا ومعه مال لفدي الدماء والأموال ثم جاء خالد إلى النبي فاعتذر عما بدر منه.
وكان خالد على مقدمة رسول اللّه يوم حنين فجرح خالد فعاده رسول اللّه ونفث في جرحه فبرئ.
وأرسله إلى أكيدر صاحب دومة الجندل فأسره وأتى به إلى رسول اللّه فصالحه على ان يدفع الجزية.
وأرسله إلى بني الحارث بن كعب بنجران وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام فإن أجابوا أقام فيهم وعلمهم شرائع الإسلام وإن أبوا قاتلهم فذهب إليهم وأسلم الناس على يديه وأقام بينهم هاديا ومعلما.
لما توفي الرسول عليه السلام ولاه أبو بكر قتال العرب المرتدين عن الإسلام

أشد ما لقي خالد من العرب المرتدين كان في قتاله مع مسيلمة الذي ادعى النبوة باليمامة إذ خرج يقاتل بستين ألف رجل فلما اشتد القتال انكشف المسلمون حتى أنهم انحسروا عن خيمة بن الوليد قائدهم.
نهض خالد وزيد بن الخطاب وثابت بن قيس وغيرهم من إجلاء القوم وبثوا في الجند روح الحمية حتى ردوا الأعداء إلى أبعد مما كانوا وصلوا إليه ثم اشتد القتال وعظم الخطب وتحمس أتباع مسيلمة فخشي خالد أن ينهزم العرب الذين معه ويستعر القتل في المهاجرين والأنصار. فنادى في الناس أن امتازوا أي ليلزم كل شخص قبيلته فظهر أن عدد القتلى في المهاجرين والأنصار أكثر مما في غيرهم.
علم خالد أن الحرب لا تخمد نارها إلا بقتل مسيلمة فطلبه للبراز فخرج إليه فحمل عليه خالد فانهزم مسيلمة. فدعا خالد إذ ذاك المسلمين للحملة على أعدائهم فحملوا عليهم حملة صادقة فهزموهم ودخل المهزومون حديقة وأغلقوها عليهم. نهض أحد إجلاء الرجال وهو البراء بن مالك فقال يا معشر المسلمين ألقوني عليهم، فحملوه حتى اقتحم الجدار وسقط إلى الباب فقاتل عليه حتى فتحه، فدخل المسلمون الحديقة فاقتتلوا فيها أشد قتال فقتل هنالك مسيلمة. ولما علم قومه بمقتله حاولوا الهرب ولكن السيف كان أسرع وهزموا شر هزيمة.
بعد فراغ خالد من قتاله لمسيلمة في اليمامة أرسله أبو بكر للعراق فكانت أول وقائعه فيها وقعة الحفير قرب خليج البصرة وكان اسم صاحبها هرمز. فطلبه خالد للبراز فبرز إليه ولم يتجاولا إلا قليلا حتى قتله. وحمل القعقاع بن عمرو علىٍ الفرس وهزمهم.
لما انهزم أصحاب هرمز التقوا في الطريق بعسكر أرسله إليهم كسرى وكان هرمز أرسل إليه يطلب المساعدة فاجتمعوا معا ورجعوا إلى محاربة خالد فأعاد عليهم الكرة وهزمهم وقتل وسبى وكان في السبي يومئذ أبو الهمام الحسن البصري وكان نصرانيا.
ثم علم خالد أن كسرى ازدشير بعث إليه بجيش بقيادة الأندرزعز أكثره من العرب الضاحية والدهاقين فسار إليهم ونصب لهم كمينا، فلما التقوا ونشبت بينهم الحرب خرج إليهم الكمين وأحاط بالعدو فقتل منهم خلق كثير منهم قائدهم الأندرزعز وقد كان موته عطشا.

ثم ذهب خالد إلى الحيرة فأتاه الدهاقين من تلك النواحي فصالحوه على ألفي ألف.
وفي تلك الأثناء مات كسرى ازدشير ووقعت الفرس في الإضطرابات السياسية فأخذ خالد يتمم فتح العراق فقصد الأنبار وكان عليها شيرزاد فخرج لقتاله فلم يوفق.
ثم صالحه وصالح خالد من حول الأنبار وسار إلى عين النمر فاستقبله عاملها للفرس مهران بن بهرام جوبين بجند عظيم من الفرس والعرب تحت قيادة عقبة بن أبي عقبة، فبينما كان عقبة يعبىء صفوفه هجم عليه خالد واحتضنه وأخذه أسيرا فانهزم العرب بلا قتال. وتبعهم الفرس وتحصنوا في حصن فما زال به خالد حتى أفتتحه.
ومنها سار خالد إلى دومة الجندل فخرج إليه من فيها فانهزموا وأخذ المسلمون الحصن.

حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه


 
 
الإمام البطل الضرغام، أسد الله، أبو عمارة، وأبو يعلى القرشيُّ الهاشميُّ المكيُّ ثم المدنيُّ البدريُّ الشهيد، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخوه من الرضاعة .

قال ابن إسحاق : لما أسلم حمزة، علمت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد امتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه .

قال أبو إسحاق : عن حارثة ابن مُضرّب، عن علي : قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم : ناد حمزة، فقلت : من هو صاحب الجمل الأحمر ؟ فقال حمزة : هو عتبة بن ربيعة . فبارز يومئذ حمزة عتبة فقتله .

عن ابن عمر قال : سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء الأنصار يبكين على هلكاهن فقال : ( لكن حمزة لا بواكي له ) فجئن، فبكين على حمزة عنده . إلى أن قال : ( مروهن لا يبكين على هالك بعد اليوم  ).

عن جابر مرفوعاً : سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، فأمره ونهاه فقتله.

عن جعفر بن عمرو بن أمية الضّمري قال : خرجت وعبيد الله ابن عدي بن الخيار في زمن معاوية غازيين . فمررنا بحمص، وكان وحشيٌ بها، فقال ابن عدي : هل لك أن نسأل وحشياً كيف قتل حمزة . فخرجنا نُريده، فسألنا عنه، فقيل لنا : إنكما ستجدانه بفناء داره على طنفسة له . وهو رجل قد غلب عليه الخمر، فإن تجداه صاحياً تجدا رجلاً عربياً، فأتيناه فإذا نحن بشيخ كبير أسود مثل البغاث، (هو ضرب من الطير إلى السواد ، وهو ضعيف الجثه كالرخمة وغيرها مما لا يصيد ولا يصاد) على طنفسة له، وهو صاح، فسلمنا عليه، فرفع رأسه إلى عبيد الله بن عديّ . فقال : ابنٌ لعدي والله ، ابن الخيار أنت ؟ قال : نعم ... 
فقال : والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى، وهي على بعيرها فلمعت لي قدماك . قلنا : إنا أتينا لتحدثنا كيف قتلت حمزة، قال : سأُحدثكما بما حدَّثتُ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنت عبد جُبير بن مُطعم، وكان عمه طُعيمة بن عدي قُتل يوم بدر، فقال لي : إن قتلت حمزة ، فأنت حر، وكنت صاحب حربة أرمي قلَّما أُخطئ بها . فخرجت مع الناس، فلما التقوا ، أخذت حربتي، وخرجت أنظر حمزة، حتى رأيته في عُرض الناس مثل الجمل الأورق (الذي لونه بين الغبرة والسوادة، وسمي كذلك لما عليه من الغبار)، يهدُّ الناس بسيفه هداًً ما يُليق شيئاً (أي : لا يمر بشيء إلا قطعه)، فوالله إني لأتهيأ له إذ تقدمني إليه سِباع بن عبد العُزَّى الخزاعي، فلما رآه حمزة، قال : هلُمّ إليَّ يا ابن مُقطِّعة البُظُور ، ثم ضربه حمزة ، فوالله لكأن ما أخطأ رأسه ، ما رأيت شيئاً قطُّ كان أسرع من سقوط رأسه . فهززت حربتي، حتى إذا رضيت عنها دفعتها عليه في ثنته (أسفل البطن إلى العانة ) حتى خرجت بين رجليه . فوقع، فذهب لينوء (لينهض متثاقلاً)، فغلب فتركته وإياها ، حتى إذا مات، قمت إليه، فأخذت حربتي، ثم رجعت إلى العسكر فقعدت فيه، ولم يكن لي حاجة بغيره .

فلما افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هربت إلى الطائف. فلما خرج وفد الطائف ليُسلموا، ضاقت عليّ الأرض بما رحبت، وقلت: ألحق بالشام، أو اليمن، أو بعض البلاد، فوالله إني لفي ذلك من همّي إذ قال رجل: والله إن يقتل محمد أحداً دخل في دينه، فخرجت حتى قدمت المدينة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : وحشي ؟ قلت : نعم . قال : اجلس، فحدثني كيف قتلت حمزة. فحدثته كما أحدثكما، فقال: (غيّب عني وجهك، فلا أرينك) فكنت أتنكب رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان (أي أميل عنه)، حتى قُبض .

 
فلما خرج المسلمون إلى مسيلمة ! خرجت معهم بحربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس، نظرت إلى مسيلمة وفي يده السيف، فوالله ما أعرفه، وإذا رجل من الأنصار يريده من ناحية أخرى، فكلانا يتهيأ له، حتى إذا امكنني، دفعت عليه حربتي فوقعت فيه، وشد الأنصاري عليه فضربه بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، فإن أنا قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتلت شر الناس .

عن أنس قال: لما كان يوم أحد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على حمزة وقد جدع ومثل به، فقال: (لولا أن تجد صفية في نفسها لتركته حتى يحشره الله من بطون السباع والطير)، وكفن في نمرة إذا خمر رأسه بدت رجلاه، وإذا خمرت رجلاه بدا رأسه .

عن سعد بن أبي وقاص قال : كان حمزة يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم بسيفين ويقول : أنا سيف الله .

جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه



 
السيد الشهيد، الكبير الشأن، علم المجاهدين، أبو عبد الله إبن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخو علي بن أبي طالب، وهو أسن من علي بعشر سنين.
 
هاجر الهجرتين، وهاجر من الحبشة إلى المدينة، فوافى المسلمين وهم على خيبر إثر أخذها، فأقام بالمدينة شهراً، ثم أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم على جيش غزوة مؤتة بناحية الكَرَك، فاستشهد.
وقد سُرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً بقدومه، وحزن والله لوفاته.
 
عن ابن مسعود قال: بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى النجاشي ثمانين رجلاً : أنا، وجعفر، وأبو موسى، وعبد الله بن عُرفطة، وعثمان بن مظعون، وبعثت قريش عمرو ابن العاص، وعمارة بن الوليد بهدية، فقدما على النجاشي، فلما دخلا سجدا له، وابتدراه، فقعد واحدٌ عن يمينه، والآخر عن شماله، فقالا: إنَّ نفراً من قومنا نزلوا بأرضك، فرغبوا عن ملتنا. قال: وأين هم ؟ قالوا : بأرضك . فأرسل في طلبهم، فقال جعفر: أنا خطيبكم، فاتّبعوه. فدخل فسلم، فقالوا: ما لك لا تسجُدُ للملك ؟ قال: إنا لا نسجد إلاَّ لله. قالوا : ولم ذاك ؟ قال: إن الله أرسل فينا رسولاً، وأمرنا أن لا نسجد إلاَّ لله، وأمرنا بالصلاة والزكاة، فقال عمرو: إنهم يخالفونك في ابن مريم وأمه. قال: ما تقولون في ابن مريم وأمه ؟ قال جعفر: نقول كما قال الله: روح الله، وكلمته ألقاها إلى العذراء البتول التي لم يمسها بشر. قال: فرفع النجاشي عوداً من الأرض وقال: ما يا معشر الحبشة والقسّيسين والرهبان ! ما تريدون، ما يسوؤوني هذا ! أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته فأكون أنا الذي أحمل نعليه وأوضّئه. وقال: انزلوا حيث شئتم، وأمر بهدية الآخرين فردت عليهم. قال: وتعجل ابن مسعود ، فشهد بدراُ.

وعن خالد بن شُمير قال: قدم علينا عبد الله بن رباح، فاجتمع إليه ناس، فقال: حدثنا أبو قتادة قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم جيش الأمراء وقال: (عليكم زيدٌ، فإن أصيب فجعفرٌ، فإن أصيب جعفر فابن رواحة) فوثب جعفر، وقال: بأبي أنت وأمي ! ما كنت أرهب أن تستعمل زيداً عليَّ . قال: امضوا، فإنك لا تدري أيُّ ذلك خير، فأنطلق الجيش، فلبثوا ما شاء الله. ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر، وأمر أن ينادى: الصلاة جامعة. قال صلى الله عليه وسلم: (ألا أخبركم عن جيشكم، إنهم لَقُوا العدوّ، فأصيب زيدٌ شهيداً، فاستغفروا له، ثم أخذ اللواء جعفر فشدَّ على الناس حتى قتل، ثم أخذه ابن رواحة، فأثبت قدميه حتى أصيب شهيداً، ثم أخذ اللواء خالد، ولم يكن من الأمراء، هو أمَّر نفسه، فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم أصبعيه وقال: (اللهم هو سيف من سيوفك
فانصره) فيومئذٍ سميَّ ( سيف الله )، ثم قال: (انفروا فامددوا إخوانكم، ولا يتخلفنَّ أحدٌ)، فنفر الناس في حرٍ شديد .
عن ابن اسحاق: حدثنا يحي بن عبَّاد، عن أبيه قال: حدثني أبي الذي أرضعني، وكان من بني مرة (بن عوف) قال: لكأني أنظر إلى جعفر يوم مؤتة حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء فعقرها ثم قاتل حتى قتل .
قال ابن اسحاق: وهو أول من عقر في الإسلام وقال:
يا حبذا الجنة واقترابها طَيِّبةً وباردٌ شرَابُها والرُّومُ رومٌ قد دنا عذابها عليَّ إن لاقيتُها ضِرابُها.
 وعن ابن عمر قال: فقدنا جعفراً يوم مؤتة، فوجدنا بين طعنة ورمية بضعاً وتسعين، وجدنا ذلك فيما أقبل من جسده.
 وعن أسماء قالت: دخل عليَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا بني جعفر، فرأيته شمَّهم، وذرفت عيناه، فقلت: يا رسول الله ! أبلغك عن جعفر شيء ؟ قال: (نعم قتل اليوم) فقمنا نبكي، ورجع، فقال: (اصنعوا لآل جعفرٍ طعاماً، فقد شُغِلُوا عن أنفسهم).
 وعن عائشة قالت: لما جاءت وفاة جعفر، عرفنا في وجه النبي صلى الله عليه وسلم الحزن.
 وعن ابن عباس، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (رأيت جعفر بن أبي طالب مَلَكاً في الجنة، مضرَّجةً قوادمه بالدماءِ، يطير في الجنة).
 وعن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه: سمع النبي يقول لجعفر(أشبه خَلْقُكَ خَلقي وأشبه خُلُقُكَ خلقي، فأنت مني ومن شجرتي).
 وقال الشعبي: كان ابن عمر إذا سلَّم على عبد الله بن جعفر قال: السلام عليك يا إبن ذي الجناحين.
 أسلم جعفر بعد أحد وثلاثين نفساً.
 وعن أبي هريرة قال: (ما احتذى النعال ولا ركب المطايا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفضل من جعفر بن أبي طالب) يعني في الجود والكرم.
  عن أبي هريرة قال: كنَّا نسمي جعفراً أبا المساكين. كان يذهب بنا إلى بيته، فإذا لم يجد لنا شيئاً، اخرج إلينا عكة [ العكة : ظرف السمن ] أثرها عسلٌ، فنشقها ونلعقها.

الخليفة عـمر بـن عـبد العـزيز



هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم من خلفاء بني أمية
وهو خامس الخلفاء الراشدين
ولد بحلوان بمصر سنة (60) هـ، أمه أم عاصم بنت عاصم بن عمر بن الخطاب. روي العلم عن أنس وعبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ويوسف بن عبد اللّه بن سلام وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والربيع بن سبرة وغيرهم.
كان أبيض الوجه، وسيم حسن الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر حافر دابّة. قيل إن أباه لما ضربه الفرس وأدماه جعل يمسح الدم ويقول إن كنت أشج بني مروان أنك لسعيد وذلك أن النبي قال: الناقص والأشج أعدلا بني أمية. قال المؤرخون الناقص هو هشام بن عبد الملك لأنه نقص من أعطيات جيوشه فلقب بالناقص. بعثه أبوه من مصر إلى المدينة ليتأدب بأدب أهلها فكان يختلف إلى عبد اللّه بن عبيد اللّه يسمع منه، ولما مات أبوه عبد العزيز طلبه عمه عبد الملك إلى دمشق وزوجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول الشاعر فيها:
بنتُ الخليفةِ والخليفة ُجدهـــــــا   
أختَ الخلائفِ والخليفة ُ زوجها
 وكان قبل ذلك يبالغ في التنعم ويفرط في الاختيال في المشية. قال أنس بن مالك، ما صليت خلف إمام أشبه برسول اللّه من هذا الفتى عمر بن عبد العزيز. وقال زيد بن أسلم كان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود. سئل محمد بن علي بن الحسين عن عمر بن عبد العزيز فقال هو نجيب بني أمية وأنه يبعث يوم القيامة أمة وحده. وقال عمرو بن ميمون بن مهران عن أبيه كانت العلماء مع عمر بن عبد العزيز تلامذة. لما طلب للخلافة كان بالمسجد فسلموا عليه بالخلافة فعقر فلم يستطع النهوض حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه المنبر، فجلس طويلا لا يتكلم. فلما رآهم جالسين قال ألا تقومون فتبايعوا أمير المؤمنين فنهضوا إليه فبايعوه رجلا رجلا. وقد عمل له ابن الجوزي سيرة مجلدا ضخما وهو الذي أمر بجمع أحاديث رسول اللّه وتدوينها كما جمع أبو بكر الصديق القرآن وعدل بين الناس عدلا لم يره الناس إلا من جده عمر بن الخطاب فرتع الناس في بحبوبة الأمن والخصب، وتمنوا لو خلد في الخلافة، ولكن بني أمية تألبوا عليه ودسوا إليه السم فمات مسموما. وسبب كراهيتهم له أنه ضيق الخناق عليهم ولم يتركهم يستغلون ضعف الضعفاء نقعا لغلتهم فتوفي بدير سمعان سنة (101) هـ.
كانت آخر خطبة خطبها : حمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثاً ، ولم تتركوا سدىً وإن لكم معاداً ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم ، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى ، وحرم جنة عرضها السماوات والأرض ، ألم تعلموا أنه لا يأمن غداً إلا من حذر اليوم الآخر وخافه ، وباع فانياً بباقٍ ، ونافداً بما لا نفاد له ، وقليلاً بكثير ، وخوفاً بأمان ، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين وسيكون من بعدكم للباقين ، كذلك ترد إلى خير الوارثين ، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غادياً ورائحاً إلى الله لا يرجع، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض ، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد ، قد فارق الأحباب ، وواجه التراب والحساب ، فهو مرتهن بعمله ، غني عما ترك ، فقير لما قدم ، فاتقوا الله قبل القضاء ، راقبوه قبل نزول الموت بكم ، أما إني أقول هذا … ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله ، وفي رواية : وأيم الله إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي ، ولكنها سنن من الله عادلة أمر فيها بطاعته ، ونهى فيها عن معصيته ، وأستغفر الله ، ووضع كمّه على وجهه فبكى حتى بلّ لحيته فما عاد لمجلسه حتى مات رحمه الله .

علي بن أبي طالب رضي الله عنه

 

أبو بكر الصدّيق رضي الله عنه



إسلام أبى بكر الصدّيق:
كان أبو بكر من رؤساء قريش، وعقلائها، وكان قد سمع من ورقة بن نوفل وغيره من أصحاب العلم بالكتب السابقة، أن نبيـًا سوف يبعث في جزيرة العرب، وتأكد ذلك لديه في إحدى رحلاته إلى اليمن؛ حيث لقي هنالك شيخـًا عالمـًا من الأزد، فحدثه ذلك الشيخ عن النبي المنتظر، وعن علاماته، فلما عاد إلى مكة أسرع إليه سادة قريش: عقبة بن أبى معيط، وعتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأبو البخترى بن هشام، فلما رآهم قال لهم: هل نابتكم نائبة؟ قالوا: يا أبا بكر قد عظم الخطب، يتيم أبى طالب يزعم أنه نبي مرسل، ولولا أنت ما انتظرنا به فإذا قد جئت فأنت الغاية والكفاية، فذهب إليه أبو بكر، وسأله عن خبره؛ فحكى له النبي*صلى الله عليه وسلم* ما حدث، ودعاه إلى الإسلام؛ فأسلم مباشرة، وعاد وهو يقول: " لقد انصرفت وما بين لابَّتَيها أشد سرورًا من رسول الله *صلى الله عليه وسلم* بإسلامي"، وكان أبو بكر أول من أسلم من الرجال.
هجرة أبى بكر الصدّيق:
لما أذن الله (عز وجل) لنبيه بالهجرة إلى المدينة، أمر النبي(صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن يهاجروا، وجعل أبو بكر يستأذن في الهجرة، والنبي(صلى الله عليه وسلم) يمهله، ويقول له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا)، حتى نزل جبريل على النبي، وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة، وأن يخرج منها مهاجرًا، فخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) وفتيان قريش، وفرسانها محيطون ببيته، ينتظرون خروجه ليقتلوه، ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه، وتناول النبي (صلى الله عليه وسلم) حفنة من التراب، فنثرها على رؤسهم، وهم لا يشعرون، وذهب (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت أبى بكر {وكان نائمًا فأيقظه}، وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة، تقول عائشة: لقد رأيت أبابكر عندها يبكى من الفرح، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): (فما ظنك باثنين الله ثالثهما؟!)، وأقاما في الغار ثلاثة أيام، ثم انطلقا، وكان أبو بكر أعرف بالطريق، وكان الناس يلقونهما، فيسألون أبا بكر عن رفيقه فيقول: أنه رجل يهدينى الطريق، وبينما هما في طريقهما إذ أدركه سراقة بن مالك (وكان قد طمع في النياق المائة التي رصدتها قريش لمن يأتيها بمحمد)، ولما اقترب سراقة رآه أبو بكر فقال: يا رسول الله هذا الطلب قد لحقنا، ودنا سراقة حتى ما كان بينه وبينهما إلا مقدار رمح أو رمحين، فكرر أبو بكر مقولته على النبي (صلى الله عليه وسلم)، وبكى فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم) : لِمَ تبكي؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله، والله ما أبكي على نفسي، ولكنى أبكى عليك، فدعا النبي (صلى الله عليه وسلم) وقال: (اللهم اكفناه بما شئت)، فساخت قوائم الفرس، ووقع سراقة وقال: يا محمد إن هذا عملك فادع الله أن ينجيني مما أنا فيه، فو الله لأعمّينَّ على مَن ورائي، فأجابه النبي(صلى الله عليه وسلم) إلى طلبه، ودعاه إلى الإسلام، ووعده إن أسلم بسوارى كسرى، وإستمرا في طريقهما، حتى بلغا المدينة، واستقبل الصحابة {مهاجرون وأنصا} رسول الله وصاحبه بسرورٍ وفرحٍ عظيمين، وانطلق الغلمان، والجواري ينشدون الإنشودة الشهيرة:
طلع البدر علينـا من ثنيات الوداع
اضطهاد أبى بكر الصدّيق:
كان أبو بكر ذا مكانة ومنعة في قريش؛ فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين، ولكن ذلك لم يمنع أبا بكر من أن يأخذ حظه وقسطه من الأذى، فقد دخل النبي(صلى الله عليه وسلم) الكعبة، واجتمع المشركون عليه، وسألوه عن آلهتهم {وهو لا يكذب} فأخبرهم؛ فاجتمعوا عليه يضربونه، وجاء الصريخ أبا بكر يقول له: أدرك صاحبك، فأسرع أبو بكر إليه، وجعل يخلصه من أيديهم، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله"، فتركوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وجعلوا يضربونه حتى حمل أبو بكر أهل بيته، وقد غابت ملامحه من شدة الأذى.
 جهاد أبى بكر الصدّيق:

كان أبو بكر رفيق النبي (صلي الله عليه وسلم) في جهاده كله، فشهد معه بدرًا، وأشار على النبي (صلي الله عليه وسلم) أن يبنى له المسلمون عريشًا يراقب من خلاله المعركة، ويوجه الجنود، وقد استبقى النبي (صلي الله عليه وسلم) أبا بكر معه في هذا العريش، وكان النبي يرفع يديه إلى السماء ويدعو ربه قائلا: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد)، فيقول له أبو بكر: يا رسول الله بعّض مناشدتك ربك، فإن الله موفيك ما وعدك من نصره، وشهد أبو بكر أُحدًا، وكان ممن ثبتوا مع النبي (صلي الله عليه وسلم) حين انكشف المسلمون، وشهد الخندق، والحديبية، والمشاهد كلها، لم يتخلف عن النبي في موقعة واحدة، ودفع إليه النبي (صلي الله عليه وسلم) رايته العظمى يوم تبوك، وكان أبو بكر ممن ثبتوا يوم حنين حينما هزم المسلمون في بدء المعركة
 
رواية أبى بكر الصدّيق:

كان أبو بكر أكثر الصحابة ملازمة للنبي (صلى الله عليه وسلم) وأسمعهم لأحاديثه، وقد روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أحاديث كثيرة، وروى عن أبى بكر كثير من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلى بن أبى طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت{رضى الله عنهم جميعًا}، ومما رواه على قال حدثني أبو بكر( وصدق أبو بكر) أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: (ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء، ثم يصلى ركعتين فيستغفر، الله إلا غفر له).
 
أعمال أبى بكر الصدّيق ومواقفه:
 
لأبى بكر الصدّيق (رضى الله عنه) مواقف وأعمال عظيمة في نصرة الإسلام منها:
انفاقه كثيرًا من أمواله في سبيل الله، ولذا قال النبي(صلى الله عليه وسلم): (ما نفعنى مال قط مثلما نفعنى مال أبى بكر)، فبكى أبو بكر وقال : " وهل أنا ومالى إلا لك يا رسول الله " (رواه أحمد والترمذى وابن ماجة). وقد أعتق أبو بكر من ماله الخاص سبعة من العبيد أسلموا، وكانوا يعذبون بسبب إسلامهم منهم : بلال بن رباح، وعامر بن فهيرة.
عندما مرض النبي (صلى الله عليه وسلم) قال لمن حوله: (مروا أبا بكر فليصل بالناس)، فقالت عائشة: يا رسول الله لو أمرت غيره، فقال: (لا ينبغى لقوم فيهم أبو بكر أن يؤمهم غيره)، وقال علي بن أبى طالب: قدم رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أبا بكر، فصلى بالناس، وإني لشاهد غير غائب، وإني لصحيح غير مريض، ولو شاء أن يقدمنى لقدمنى، فرضينا لدنيانا من رضيه الله ورسوله لديننا.
عندما قبض النبي (صلى الله عليه وسلم) فتن الناس حتى أن عمر بن الخطاب قال: إن رسول الله لم يمت، ولا يتكلم أحد بهذا إلا ضربته بسيفي هذا، فدخل أبو بكر، وسمع مقالة عمر، فوقف وقال قولته الشهيرة:
أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات
ومن كان يعبد الله فإن الله حيّ لا يموت
 
بعد مبايعة أبى بكر بالخلافة، أصر على إنفاذ جيش أسامة، الذي كان النبي(صلى الله عليه وسلم) قد جهزه، وولى عليه أسامة بن زيد، وكان فريق من الصحابة منهم عمر، قد ذهبوا لأبى بكر، وقالوا له: إن العرب قد انتفضت عليك، فلا تفرق المسلمين عنك، فقال: والذى نفسي بيده لو علمت أن السباع تأكلني بهذه القرية لأنفذت هذا البعث الذي أمر الرسول بإنفاذه، ولا أحلّ لواءًا عقده رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بيده، واتخذ الجيش سبيله إلى الشام تحت إمرة أسامة.

واجه أبو بكر في بدء خلافتة محنة كبرى، تمثلت في ردة كثير من قبائل العرب عن الإسلام بعد وفاة النبي(صلى الله عليه وسلم)، ومنعت بعض القبائل زكاة أموالها، وأمام هذه الردة، جهز أبو بكر الجيش، وقرر حرب المرتدين جميعًا، واعتزم أن يخرج بنفسه على قيادة الجيش، غير أن علىّ بن أبى طالب لقيه، وقد تجهز للخروج، فقال له: إلى أين يا خليفة رسول الله؟ ضم سيفك، ولا تفجعنا بنفسك، فو الله لئن أصبنا بك ما يكون للإسلام بعدك نظام أبدًا، فرجع أبو بكر، وولى خالدًا على الجيش، وسار خالد فقضى على ردة طليحة الأسدىّ ومن معه من بنى أسد وفزارة، ثم توجه إلى اليمامة لحرب مسيلمة بن خسر ومن معه من بنى حنيفة، وكان يوم اليمامة يومًا خالدًا، كتب الله فيه النصر لدينه، وقتل مسيلمة، وتفرق جنوده ومضى المسلمون يخمدون نار الفتنة والردة حتى أطفأها الله، ثم استمر جيش خالد في زحفه حتى حقق نصرًا عظيمًا على الروم في معركة اليرموك.
 
لما أحس أبو بكر بقرب أجله، شاور بعض كبار الصحابة سرًا في أن يولى عمر بن الخطاب الخلافة من بعده فرحبوا جميعًا، غير أن بعضهم اعترض على غلظة عمر، فقال أبو بكر: " نعم الوالي عمر، أما إنه لا يقوى عليهم غيره، وما هو بخير له أن يلي أمر أمة محمد، إن عمر رأى لينـًا فاشتد، ولو كان واليًا للان لأهل اللين على أهل الريب "، ثم أمر أبو بكر عثمان فكتب كتابًا باستخلاف عمر.
 
أقوال أبى بكر الصدّيق:
كان أبو بكر إذا مدحه أحد قال: " اللهم أنت أعلم بي من نفسي وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون ".
لما بايعه الناس خليفة للرسول (صلى الله عليه وسلم)، خطب فيهم، فقال: " أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم، ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أخطأت فقوموني، ولا تأخذكم في الله لومة لائم، ألا إن الضعيف فيكم هو القوى عندنا حتى نأخذ له بحقه، والقوى فيكم ضعيف عندنا حتى نأخذ الحق منه طائعًا أو كارهًا، أطيعوني ما أطعت الله فيكم فإن عصيته فلا طاعة لي عليكم ".
عندما امتنع بعض المسلمين عن أداء الزكاة، قرر أبو بكر قتالهم، فذهب عمر إليه وقال له: " كيف تقاتلهم، وقد قال النبي (صلى الله عليه وسلم): (أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإن قالوا ذلك عصموا منى دماءهم، وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله)، فقال أبو بكر: "والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة من حق الله، والله لو منعوني عقالاً كانوا يؤدونه إلى رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، لقاتلتهم على منعه، قال عمر: " فلما رأيت أن الله شرح صدر أبى بكر للقتال، عرفت أن الحق معه".
من مواعظ الصدّيق:
إن العبد إذا دخله العجب بشيء من زينة الدنيا مقته الله تعالى حتى يفارق تلك الزينة.
يا معشر المسلمين استيحوا من الله، فو الذي نفسي بيده إني لأظل حين أذهب إلى الغائط في الفضاء متقنعًا حياءً من الله.
أكيس الكيس التقوى، وأحمق الحمق الفجور، وأصدق الصدق الأمانة، وأكذب الكذب الخيانة.
وكان يأخذ بطرف لسانه ويقول: " هذا الذي أوردني الموارد ".
أعلموا عباد الله أن الله قد ارتهن بحقه أنفسكم، وأخذ على ذلك مواثيقكم واشترى منكم القليل الفاني بالكثير الباقي، وهذا كتاب الله فيكم، لا تفنى عجائبه، فصدقوا قوله، وانصحوا كتابته، واستضيئوا منه ليوم الظلمة.
قبل موته دعا عمر بن الخطاب وقال له: " إني مستخلفك على أصحاب رسول الله.... يا عمر: إن لله حقـًا في الليل لا يقبله في النهار، وحقـًا في النهار لا يقبله في الليل، وإنها لا تقبل نافلة حتى تؤدى الفريضة، وإنما ثقلت موازين من ثقلت موازينه باتباعهم الحق وثقله عليه، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق غدًا أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت موازينهم يوم القيامة باتباعهم الباطل، وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الباطل أن يكون خفيفـًا، يا عمر إنما نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء ليكون المؤمن راغبًا راهبًا، فلا ترغب رغبة فتتمنى على الله ما ليس لك، ولا ترهب رهبة تلقى فيها ما بيديك، يا عمر إنما ذكر الله أهل النار بأسوأ أعمالهم ورد عليهم ما كان من حسن فإذا ذكرتهم قلت: إني لأرجوا ألا أكون من هؤلاء، وإنما ذكر الله أهل الجنة بأحسن أعمالهم لأنه تجاوز لهم ما كان من سيء فإذا ذكرتهم قلت: أي عمل من أعمالهم أعمل؟ فإن حفظت وصيتي فلا يكن غائب أحب إليك من الموت، وهو نازل بك، وإن ضيعت وصيتي فلا يكن غائب أكره إليك من الموت، ولست تعجزه ".
وفاة أبى بكر الصدّيق:
توفي أبو بكر (رضى الله عنه) في شهر جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة من الهجرة، قيل : يوم الجمعة لسبع بقين من جمادى الآخرة، وقيل : مساء ليلة الثلاثاء لثمان بقين من جمادى الآخرة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، وكان أبو بكر قد ولد بعد النبي(صلى الله عليه وسلم) بسنتين وأشهر، ومات بعده بسنتين وأشهر مستوفيًاُ ثلاثة وستين عاما، وهو نفس العمر الذي مات عنه النبي(صلى الله عليه وسلم)، واستمرت خلافة أبى بكر سنتين وثلاثة أشهر وأيامًا. قال عمر في حقه: رحمة الله على أبى بكر، لقد أتعب من بعده تعبًا شديدًا.
أبو بكر الصدّيق:
هو عبد الله بن عثمان بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي القرشى التميمي، كنيته: أبو بكر، ولقبه الصدّيق، وكنية أبيه أبو قحافة، وأمه هي: أم الخير سلمى بنت صخر بن كعب بن سعد التميمية بنت عم أبى قحافة، وكان أبو بكر يسمى أيضًا: عتيقًا، وقيل إن سبب هذه التسمية أن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال له: (أنت عتيق من النار)، وقيل : إنه سمى كذلك لحسن وجهه وجماله، ولقب بالصدّيق لتصديقه بكل ما جاء به النبي(صلى الله عليه وسلم) وخاصة تصديقه لحديث الإسراء وقد أنكرته قريش كلها، وأبو بكر الصدّيق أفضل الأمة مكانة ومنزلة بعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فهو أول من أسلم من الرجال، وهو رفيق الرسول (صلى الله عليه وسلم) في هجرته، وخليفته على المسلمين، يقول حسان بن ثابت في حقه:
إذا تذكرتَ شَجْوًا من أخي ثقــةٍ
فاذكر أخاك أبا بكر بما فعــــلا
خيرَ البريَّةِ أتقاها وأعدَلـــَهـا
بعد النبي وأوفاها بما حمــــلا
الثانيَ التاليَ المحمودَ مشهـــدُهُ
وأول الناسِ منهم صدَّق الرُسُـلا
وقد رثاه على بن أبى طالب يوم موته بكلام طويل منه: " رحمك الله يا أبا بكر، كنت إلف رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وأنيسه ومكان راحته، وموضع سره ومشاورته، وكنت أول القوم إسلامًا، وأخلصهم إيمانـًا، وأحسنهم صحبة، وأكثرهم مناقب وأفضلهم سوابق، وأشرفهم منزلة، وأرفعهم درجة، وأقربهم وسيلة، وأشبههم برسول الله هديًا وسمتـًا... سماك الله في تنزيله صديقـًا فقال: (والذي جاء بالصدق وصدق به) فالذي جاء بالصدق محمد (صلى الله عليه وسلم) والذي صدق به أبو بكر، واسيته حين بخل الناس، وقمت معه على المكاره حين قعدوا، وصحبته في الشدة أكرم صحبة، وخلفته في دينه أحسن الخلافة، وقمت بالأمر كما لم يقم به خليفة نبي...".
 إسلامه:
كان أبو بكر من رؤساء قريش وعقلائها، وكان قد سمع من ورقة بن نوفل وغيره من أصحاب العلم بالكتب السابقة أن نبيًا سوف يبعث في جزيرة العرب، وتأكد ذلك لديه في إحدى رحلاته إلى اليمن حيث لقي هنالك شيخا عالمًا من الأزد فحدثه ذلك الشيخ عن النبي المنتظر وعن علاماته، فلما عاد إلى مكة أسرع إليه سادة قريش: عقبة بن أبى معيط، وعتبة، وشيبة، وأبو جهل، وأبو البخترى بن هشام، فلما رآهم قال لهم: هل نابتكم نائبة؟ قالوا: يا أبا بكر قد عظم الخطب، يتيم أبى طالب يزعم أنه نبي مرسل ولولا أنت ما انتظرنا به فإذا قد جئت فأنت الغاية والكفاية، فذهب إليه أبو بكر وسأله عن خبره، فحكى له النبي (صلى الله عليه وسلم) ما حدث ودعاه إلى الإسلام فأسلم مباشرة، وعاد وهو يقول: " لقد انصرفت وما بين لابَّتَيها أشد سرورًا من رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بإسلامي"، وكان أبو بكر أول من أسلم من الرجال.
 هجرته:
لما أذن الله (عز وجل) لنبيه بالهجرة إلى المدينة أمر النبي(صلى الله عليه وسلم) أصحابه أن يهاجروا، وجعل أبو بكر يستأذنه في الهجرة والنبي (صلى الله عليه وسلم) يمهله ويقول له: (لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا)، حتى نزل جبريل على النبي (صلى الله عليه وسلم) وأخبره أن قريشًا قد خططت لقتله، وأمره ألا يبيت ليلته بمكة وأن يخرج منها مهاجرًا، فخرج النبي (صلى الله عليه وسلم) وفتيان قريش وفرسانها محيطون ببيته ينتظرون خروجه ليقتلوه ولكن الله أخذ أبصارهم فلم يروه، وتناول النبي (صلى الله عليه وسلم) حفنة من التراب فنثرها على رؤوسهم وهم لا يشعرون، وذهب (صلى الله عليه وسلم) إلى بيت أبى بكر{وكان نائمًا فأيقظه} وأخبره أن الله قد أذن له في الهجرة، تقول عائشة: " لقد رأيت أبا بكر عندها يبكى من الفرح "، ثم خرجا فاختفيا في غار ثور، واجتهد المشركون في طلبهما حتى شارفوا الغار، وقال أبو بكر: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا فقال له النبي (صلى الله عليه وسلم): (فما ظنك باثنين الله ثالثهما ؟!).
كان أبو بكر ذا مكانة ومنعة في قريش، فلم ينله من أذاهم ما نال المستضعفين، ولكن ذلك لم يمنع أبا بكر من أن يأخذ حظه وقسطه من الأذى، فقد دخل النبي (صلى الله عليه وسلم) الكعبة واجتمع المشركون عليه وسألوه عن آلهتهم وهولا يكذب فأخبرهم فاجتمعوا عليه يضربونه وجاء الصريخ أبا بكر يقول له: أدرك صاحبك فأسرع أبو بكر إليه وجعل يخلصه من أيديهم وهو يقول: " ويلكم أتقتلون رجلاً أن يقول ربى الله "، فتركوا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) وجعلوا يضربونه حتى حمل أبو بكر أهل بيته وقد غابت ملامحه من شدة الأذى.
جهاده:
كان أبو بكر رفيق النبي (صلى الله عليه وسلم) في جهاده كله، فشهد معه بدرًا وأشار على النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبنى له المسلمون عريشًا يراقب من خلاله المعركة ويوجه الجنود، وقد استبقى النبي (صلى الله عليه وسلم) أبا بكر معه في هذا العريش، وكان النبي يرفع يديه إلى السماء ويدعو ربه قائلاً: (اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد) فيقول له أبو بكر: " يا رسول الله بعض مناشدتك ربك فإن الله موفيك ما وعدك من نصره، وشهد أبو بكر أُحدًا وكان ممن ثبتوا مع النبي(صلى الله عليه وسلم) حين انكشف المسلمون وشهد الخندق والحديبية والمشاهد كلها لم يتخلف عن النبي في موقعة واحدة، ودفع إليه النبي (صلى الله عليه وسلم) رايته العظمى يوم تبوك، وكان أبو بكر ممن ثبتوا يوم حنين حينما هزم المسلمون في بدء المعركة.
 روايته:
كان أبو بكر أكثر الصحابة ملازمة للرسول (صلى الله عليه وسلم) وأسمعهم لأحاديثه، وقد روى عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أحاديث كثيرة، وروى عن أبى بكر كثير من الصحابة منهم: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلىّ بن أبى طالب، وعبد الرحمن بن عوف، وحذيفة بن اليمان، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت {رضى الله عنهم أجمعين}، ومما رواه على قال: حدثني أبو بكر {وصدق أبو بكر} أن النبي(صلى الله عليه وسلم) قال: (ما من عبد يذنب ذنبًا فيتوضأ فيحسن الوضوء ثم يصلى ركعتين فيستغفر الله إلا غفر له).

جميع الحقوق محفوظة 2016 اسلامنا حياتنا.